الجاحظ

57

رسائل الجاحظ

[ 4 - مزاعم أصحاب الرياضة في علم الكلام ] ومن مظالم صناعة الكلام عند أصحاب الصناعات أن أصحاب الحساب والهندسة يزعمون أن سبيل الكلام سبيل اجتهاد الرأي ، وسبيل صواب الحدس ، وفي طريق التقريب والتمويه ، وأنه ليس العلم إلا ما كان طبيعيا واضطراريا لا تأويل له ، ولا يحتمل معناه الوجوه المشتركة ، ولا يتنازع ألفاظه الحدود المتشابهة ، ويزعمون أنه ليس بين علمهم بالشيء الواحد أنه شيء واحد وأنه غير صاحبه فرق في معنى الإتقان والاستبانة ، وثلج الصدور والحكم بغاية الثقة . فصل منه : فلو كان هذا المهندس الذي أبرم قضيته ، وهذا الحاسب الذي قد شهر حكومته ، نظر في الكلام بعقل صحيح وقريحة جيدة ، وطبيعة مناسبة ، وعناية تامة ، وأعوان صدق وقلة شواغل ، وشهوة للعلم ويقين بالإصابة ، لكان تهيب الحكم أزين به ، والتوفي أولى به . فكيف بمن لا يكون عرف من صناعة الكلام ما يعرفه المقتصد فيه ، والمتوسط له . على أنا ما وجدنا مهندسا قط ولا رأينا حاسبا يقول ذلك إلا وهو ممن لا يتوقى سرف القول ، ولا يشفق من لائمة المحصلين ، وقضيته قضية من قد عرف الحقائق ، واستبان العواقب ، ووزن الأمور كلها وعجم المعاني بأسرها ، وعلم من أين وثق كل واثق ، ومن أين غر كل مغرور . على أنا ما وجدنا مهندسا قط ولا رأينا حاسبا يقول ذلك إلا وهو ممن لا يتوقى سرف القول ، ولا يشفق من لائمة المحصلين ، وقضيته قضية من قد عرف الحقائق ، واستبان العواقب ، ووزن الأمور كلها وعجم المعاني بأسرها ، وعلم من أين وثق كل واثق ، ومن أين غر كل مغرور . على أنهم يقرون أن في الحساب ما لا يعلم ، وأن في الهندسة ما لا يدرك ولا يفهم . والمتكلمون لا يقرون بذلك العجز في صناعتهم ، وبذلك النقص في غرائزهم . [ 5 - فضل الكلام على الفتيا ] وأقول : إنه لو لم يكن في المتكلمين من الفضل إلا أنهم قد رأوا إدبار الدنيا عن علم الكلام ، وإقبالها إلى الفتيا والاحكام ، واجماع الرعية والراعي على